Abbout Productions
Search
Join Us On

LATEST NEWS

جريج وحاجي توما يبرعان في تحصين الذاكرة (15/04/2013)

يُشكّل «النادي اللبناني للصواريخ» خطوة جدّية إلى الأمام، بالنسبة إلى الثنائي خليل جريج وجوانا حاجي توما. الاستعادة السينمائية لفصل من الذاكرة اللبنانية الفردية والجماعية المغيّبة، كشفت جمال الترجمة البصرية للجهد الميداني، المتمثّل بالتنقيب في الماضي بحثاً عن وقائع الحدث. الدقائق الستون الأولى من الفيلم بدت متماسكة، شكلاً ومضموناً. بدت انعكاساً بديعاً لتلك الحقبة التاريخية من سيرة بلد ومجتمع وناس. بدت رحلة إلى الوراء، بهدف ربط الماضي براهن ميؤوس منه. الاستعادة السينمائية لذاك الفصل الغائب من الذاكرة اللبنانية، المتعطّشة غالباً إلى النسيان، بدت لحظة تأمّل في أحوال بيئة اجتماعية مزروعة في قلب العواصف الإقليمية، والتحدّيات الجغرافية، والمصالح الدولية. الدقائق الستون الأولى من أصل تسعين دقيقة تأكيد على براعة التنقيب في تحويل المادة الدرامية والأرشيفية والتوثيقية الغنية إلى تسلسل سينمائي وثائقي متماسك. تأكيد على قوّة الصورة الوثائقية في سرد الحكاية، بمساعدة صوتي المخرجين، اللذين أضاءا جوانب كثيرة من الحكاية الأصلية.
الحكاية الأصلية لم تكن معروفة كثيراً. طلاب قليلو العدد في «جامعة هايكازيان» توصّلوا، بمساعدة الأستاذ الجامعي مانوك مانوكيان، إلى تصميم صاروخ، بل إلى تنفيذ تصاميم عديدة لـ«صاروخ الأرز»، الموضوعة في خدمة العلم. هذا ليس أمراً عادياً. الزمن؟ مطلع ستينيات القرن الفائت. المشهد السياسي؟ فؤاد شهاب يسعى إلى بناء دولة. المحيط الجغرافي؟ اتّحاد مفروض بقوّة السياسة بين مصر وسوريا، بعد أعوام قليلة على «ثورة 1958» اللبنانية. هذا ليس أمراً عادياً. الصاروخ لم يعد مشروعاً. نُفِّذ المشروع. بات للطلاب أكثر من صاروخ. تدخّل الجيش اللبناني لمرافقة عملية تطوير الصاروخ. بلغ مدى أحد هذه الصواريخ قبرص. «قامت القيامة». إسرائيل قلقة. سوريا أيضاً. فرنسا وغيرها من الدول المعنية بالمنطقة. ضغوط. حريق داخل المختبر الجامعي زاد من الضغوط الخارجية (خارج حرم الجامعة. خارج البلد أيضاً). لم يعد هناك مفرّ: إلغاء المشروع نهائياً. هجرة مانوكيان إلى الولايات المتحدّة الأميركية. نسيان الحقبة هذه.
لاحق الثنائي خليل جريج وجوانا حاجي توما عدداً من الذين «تورّطوا» في المشروع: الأستاذ الجامعي نفسه. مدير المعهد. المندوب العسكري للجيش اللبناني. عاملون في المشروع. جميعهم قالوا كلاماً متنوّعاً. جميعهم استعادوا تلك الحقبة. بعضهم بحماسة بدت شبيهة بحماسة اللحظات الأولى، والفترة السابقة. بعضهم قال وقائع. لا وجود للانفعال، باستثناء الانفعال الناتج من متعة العمل، ومن متعة استعادة تلك الحقبة. هناك وقائع قيلت. هناك ملاحقة سينمائية متينة البنية الداخلية في سرد هذه الوقائع. التوليف أدّى دوراً في إضفاء جمالية سينمائية أيضاً. هذا كلّه في الستين دقيقة الأولى. الجزء الثاني من الفيلم أقلّ أهمية بصرية. رغبة المخرجَين في إعادة تصميم صاروخ، ونقله من ضبيه (موقع التجارب القديمة) إلى جامعة «هايكازيان» في القنطاري خطوة ذكية. تحية إلى من اجتهد في تطوير لغة العلم والعقل. أما الدقائق الأخيرة (غرافيك)، التي قال البعض إنها جزء من لعبة ساخرة أرادها المخرجان (ماذا كان يُمكن أن يحدث، لو أن لبنان تابع هذا المشروع الرائد في المنطقة العربية؟)، فلم تبلغ بهاء الدقائق الستين الأولى، شكلاً ومضموناً سياسياً.
«النادي اللبناني للصواريخ» نتاج جهد واضح في تفكيك المبطّن في الذاكرة اللبنانية. في نبش هذا المبطّن. في نبش المغيَّب، وإعادة طرحه سينمائياً بشكل لائق. نتاج عمل ميداني بات فيلماً وثائقياً ممتعاً في سرده الوقائع. ممتعاً في محاولة تحصين الذاكرة من مرض النسيان أيضاً.

جريدة السفير // نديم جرجورة